أحمد مصطفى المراغي
5
تفسير المراغي
الملائكة فيخبرونا بأن محمدا صادق فيما يدّعى ، فإنا في شك من أمره ، وفي ريب مما يخبر به ، وإن لم يكن هذا فلنر ربنا ونعلم أنه هو حقا بأمارات لا يعتريها لبس ثم يقول لنا : إني أرسلت إليكم محمدا من لدني بشيرا ونذيرا ، فإن تم لنا ذلك صدّقناه وآمنا به ، وما مقصدهم من هذا وذاك إلا التمادي في الإنكار والعناد والعتوّ ومن ثم قال : ( لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً ) أي واللّه لقد استكبروا في شأن أنفسهم ، وتجاوزوا الحد في الظلم والطغيان تجاوزا بلغ أقصى الغاية ، تكذيبا برسوله ، وشموخا بأنوفهم عن أن ينصاعوا إليه ويتبعوه ، ولم يأبهوا بباهر معجزاته ، ولا كثرة آياته ، وإنهم لقد بلغوا غاية القحة في الطلب ، وفي الحق إن شأنهم لعجب ، وإن العقل ليحار في أمرهم ، ويدهش لقصور عقولهم ، وسذاجة آرائهم ، وضعف أحلامهم ، « أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ » وللّه در القائل : ومن جهلت نفسه قدره * رأى غيره منه ما لا يرى ونحو الآية قوله تعالى : « إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ » . ثم بين أنهم سيلقون الملائكة حين الهول يوم القيامة لا على الوجه الذي طلبوه ، ولا على الصورة التي اقترحوها ، بل على وجه آخر لم يمر ببالهم فقال : ( يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً ) أي يوم يرى هؤلاء المجرمون الملائكة فلا بشرى لهم بخير ، إذ يقولون لهم : حجرا محجورا أي محرم عليكم البشرى بالغفران والجنة ، أي جعلهما اللّه حراما عليكم ، إذ هما لا يكونان إلا لمن اعترف بوحدانية اللّه وصدّق رسوله . والخلاصة - لا بشرى يومئذ للكافرين وتقول لهم الملائكة : حرام أن نبشركم بما نبشر به المتقين . ثم بين السبب في وبالهم وخسرانهم حينئذ فقال : ( وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ) أي فعمدنا إلى محاسن